ACCUEIL » Espace social et citoyen » LECTURE EN COURS:

هل هو مجرد إحساس ؟ أم هروب من صقيع المدينة إلى دفء الواحة ؟

janvier 8, 2017 Espace social et citoyen 11 Commentaires

Figuig, une rue

Il s’agit d’une note lyrique sur le rapport à la terre, à la petite enfance, à soi, à son identité… et sur le rapport ville-campagne… Le texte est conçu de manière interrogative. Il est rédigé en arabe.

فكيك ، في السنين الأخيرة ،وكلما تواجدت في هذه الواحة وصرت جزءا منها ،إلا وشعرت و أحسست بإله الكون أقرب مني و إلي أكثر من قربه مني خلال تواجدي بأي مكان آخر، وأنه يتجلى لي في كل لحظة و في كل مكان ، فأينما وليت وجهي فثم وجه الله ، بل أكثر من ذلك أحس أنه يشمل هذه الواحة برعاية و عناية خاصة. و في لحظات عديدة أسائل نفسي عن سر ومعنى وكذا مصدر هذا الشعور وهذا الإحساس ؟.
هل هو شعوري بالإنتماء إلى هذه الأرض ،وحبي لها أكثر من حبي لغيرها من أماكن هذا الكون الشاسع ،يطفو ويظهر كلما نزلت ضيفا عليها وتراميت في تربتها وبين أزقتها ، بساتينها ونخيلها،جبالها ،فضائها وأهلها وتنفست من عبقها ونسيمها ؟ .
هل لأن هذه الواحة تجيد السمع، وتحسن الإصغاء والإنصات إلي ،وتتحاور معي في صمت وبلغة نفهمها معا أنا وهي ، وبالتالي تبوح لي ببعض من أسرارها وتستوعب جزءا وافرا من فائض همومي، عكس الأمكنة الأخرى ،الصماء والبكماء التي تلتهمني وفي رتابة قاتلة تحولني إلى نظير سيزيف ؟ .
هناك في واحتي كل شيء ينطق ويتحدث إلي، ولكل شيء هناك معاني ودلالات وخصوصيات ، ذاكرة ونسيان وتاريخ ، وكل شيء هناك يحمل من الأسرار، ما حول العدم إلى وجود والموت إلى حياة، ما حول القبح إلى جمال والظلمة إلى نور، هناك اللامكان تحول إلى مكان وأحدث الزمن المنفرد.
هل لألفة المكان والاستئناس المتبادل بيني وبينه ؟ لقد صار جزء مني بعد أن كنت جزءا منه.
لقد استوطنني المكان بعد ما سكنته، وصرت أحمله بعد أن حملني .
في فكيك لا شيء غريب هناك ،لا غربة ولا اغتراب ولا تشيؤ، هناك إنفراد المكان والزمان، هناك الأنا والجمع ، الجد والجدة ، الأب والأم هناك ،الأهل والأصدقاء هناك، البيت الذي رأيت فيه النور وتعلمت فيه كيف أحبو وكيف أمشي وكيف أتكلم هناك ،الأزقة والمساحات التي لعبت ومرحت فيها هناك،الوحل الذي لطخت به ثيابي وكذا جسدي هناك ،المدرسة التي تعلمت فيها هناك ، هناك تعلمت ركوب الحمار وكذا ركوب وقيادة الدراجة،البساتين التي تعلمت واشتغلت وغرست ولعبت وصهرت ونمت فيها وأكلت منها هناك ،النخلة التي رضعتها بعد أمي هناك ،الصهاريج التي تعلمت فيها السباحة هناك ،الجبال التي تسلقتها هناك ،هناك ولدت وهناك ترعرعت وهناك ودعت طفولتي ،مراهقتي وجزء من ذكرياتي ،وباختصار كل جذوري هناك. أزقتها هي المكان الوحيد الذي أمشي عليه حافي القدمين ( دون أن أنسى شط البحر) ، هي المكان الوحيد الذي أمشي عليه دون إنارة، أوحتى دون أن تشكل لي الظلمة مصدر خوف أو انزعاج (دون أن أنسى رحم أمي)،هي المكان الوحيد الذي أمشي عليه دون أن أتحسس جنبي وجيوبي، دون أن ألتفت في جميع الاتجاهات ، دون أن أكن في حالة استنفار. واحتي هي المكان الوحيد الذي لا أعير فيه أدنى اهتمام أو تركيز لإقفال باب المنزل بل في مرات عديدة يبقى طوال الوقت نهارا وحتى ليلا مفتوحا دون حتى أن يوصد. هناك في واحتي حتى التراب طاهر، لم يكن ولم ينظر إليه مرة ما كغبارأو كأوساخ ،وأتذكر في الطفولة كم من لعبة صنعناها وكم من ألعاب لعبناها من طين و من تراب (لعداد، خلوضة، غاتير، لفتوح، أخلول ،أقشود، إبودا، تكحيين ،تدرين)،بل كم منا كان يتذوقه أو حتى يلتهمه في غفلة من أهله وذويه ،من منا لم ينم على الأرض وهو مفترش مباشرة التراب، دون حتى حصير، وهو موسد السطور (إبودا) أو مصاطب ( أتكانات) أو يده، ولو في لحظة قيلولة عابرة تحت ظل نخلة ؟ من منا لم يختلط عرقه ودمه بتراب الواحة ؟ ومن منا لا يحمل في أحشائه نصيبه من تراب الواحة، قد يكن في حجم طوبة (تطوبت) أوما يزيد عنها ؟ – ألم يخلق الإنسان من تراب ؟- (أتذكر جيدا نظرية غريبة وعجيبة لأحد حكماء الواحة إذ كان يردد في مرات عديدة على مسامعنا ونحن مراهقين : «أصل الإنسان الأول من « تاغيت » – وهي منطقة مجاورة للحدود المصطنعة مع الجزائر- إذ كانت الأرض هناك في القديم تنشق وكان الإنسان يخرج من هذه الشقوق كما الفطر « الترفاس »  » « les truffes وبعد ذلك ينتشر في أرض الله الواسعة و يشكل القبائل والأمم ويصنع الحضارات »).على جدران الواحة أصابع آبائنا وأجدادنا مرسومة ومنحوتة ،على بساتين الواحة عرق وجهد آبائنا وأجدادنا مسكوب ومكتوب.
أهي حفاوة الإستقبال وحرارة الأحضان و دفء الأسرة الصغيرة والكبيرة ، بعيدا عن صقيع المدينة، جفائها وشحها الممتد إلى كل الجهات، بعيدا عن مجاملة زائدة عن اللزوم حتى تحولت إلى فائض من نفاق مستشري لا يحتمل ، بعيدا عن واقع طافح بطمع آتى على الأخضر واليابس ؟ .
هل هي ذكريات الطفولة تحضرني و ترحل بي إلى الزمن الجميل ، إلى لحظات امتزجت فيها الفطرة بالبراءة و بعض من شغب و مشاكسة و « شيطنة « المراهقة ؟ . الطفولة التي كنا في لحظات عديدة منها نناجي الله ،نطلبه أن يعطينا النجاح و أن يشفينا، ندعوه أن يعطينا المطر، نرجو منه أن يفك كربة القمر في لحظات الخسوف ،هذا الكوكب الجميل الذي ارتبطنا به في مناسبات وأفراح عديدة، إذ كنا ننتصب بقاماتنا النحيفة فوق سطوح منازلنا بعد الغروب للبحث و لرؤية الهلال بالعين المجردة و مهللين إعلانا وفرحا بقدوم شهر رمضان أو أحد الأعياد الدينية. الطفولة التي جعلتنا ننسج علاقة خاصة مع الشمس حيث منحتنا من أسرارها كيف نعمل على ضبط الوقت و نستغني عن الساعة وعقاربها وذلك في أوقات الاستيقاظ من النوم ،أوقات الذهاب إلى المدرسة ،أوقات الأكل، أوقات الولوج إلى منازلنا ،أوقات اللعب ،أوقات الذهاب إلى البساتين والرجوع منها. الشمس التي كانت (ومازالت) تزعجنا كل صباح أيام الصيف ونحن نيام فوق سطوح منازلنا المفتوحة على السماء، فكلما تقدمت بأشعتها الملتهبة واقتربت منا إلا وسحبنا فراشنا نحو جنب الحائط حيث الظل ،هكذا كأننا في لعبة الفر دون الكر معها ،كأننا نتحايل عليها، إلى أن تكتسح السطح كله بأشعتها المحرقة ، حينئذ لا يبقى لنا من حل إلا الاستيقاظ والهروب بجلدنا ثم الانصراف إلى العمل أو اللعب أو اللجوء إلى مكان ما تحت السقف لإتمام النوم .هذا إن لم يكن لك أب أو جد أو عم يوقظك مع الفجر، وإن كان لك من حظ فتبقى في فراشك حتى الشروق، وتكن وجهتك البساتين أو وادي « ززفانة » أو ما شابه ذلك ،وربما تظل هناك في أعمال شاقة حتى الغروب .أما في أيام الشتاء الباردة فكنا نترقب بزوغها كل صباح ونحن مصطفين وعارضين لأجسامنا في الأماكن التي تسلط عليها أشعتها الأولى عند الشروق، كأننا ننتمي إلى فصيلة الزواحف إذ لا نتحرك من أماكننا حتى نستشعر الدفء ونأخذ قسطا وافرا من الحرارة .كأننا غسيل منشور على حائط في انتظار أ ن يجف وينشف من مائه بفعل أشعة الشمس، أو لوحات فنية معلقة على جدار في انتظار جمهور الزائرين.كما كنا نتربص بها عند غروبها وهي تتوارى خلف الجبال ليس عشقا في الاستمتاع بمنظر غروب مغري، لكن طمعا في نور ودفء لا متناهيين ،أو بحثا عن ظلمة من أجل مباشرة بعض الألعاب التي تحتاج إلى قدر وافرمن الظلام كأننا خفافيش.
هل هو من سخاء أمي وكرمها معي ؟ و ذلك بإكثارها من الدعاء والرجاء من إله السماوات والأرض بأن يحفظني ويرعاني وأن يهديني ويرضى علي و يمنحني العمر الطويل والرزق الحلال الوافر.وهي التي تردد دائما وباستمرار: « ليس بيننا وبين الله إلا حجاب كالذي يفصل التمر عن النوى ».
هل لكوني في فكيك أستحضر بعضا من صور لأبي ،وهو معتكف على كتابه « القرآن الكريم » في غض للسمع و البصر بشكل كلي دون أن يكترث ولو لذبابة أو لأزيزها ؟ وهو الشيخ الورع المتقي الصامت ،الذي تعلمت منه أن الدين عمل ومعاملة ، الدين أخلاق وقيم ، الدين ليس في القول والشكل بل في السلوك اليومي ،مع الجيران ،مع الناس كافة دون فرز أو تصنيف ،مع الحيوانات، بل حتى مع الأشياء،وأن جوهر الشيء في باطنه لا في ظاهره.
هل لأوجه الشبه و التماثل القائم بين الأمكنة التي نزلت فيها الرسالات السماوية وهذه الواحة ؟. ربما لا ينقصها من زمن النبي إلا الكعبة والنية ولا تزيد عن ذلك الزمن إلا بالكهرباء و الأنترنيت .
هل من سحر الطبيعة وتنوعها ؟ قرب الجبال، تعددها و تنوعها،كثافتها وتسلسلها ،الحضور القوي واليومي للشمس، معاينة الشروق والغروب بشكل يومي ، قرب السماء وصفاؤها ،قرب القمر ووفرة نوره، النجوم و كثرتها، الظلام الممتد في كل الجهات ،السحاب ،السكون والصمت،الرياح ، التراب ، الحجر، الرمال ، الفيافي والخلاء، الزواحف،الدواجن ،الطيور والعصافير،الحشرات ،الذباب ، البعوض ، الماء ،النباتات ،الأشجار،النخيل ، -تلك الشجرة التي جاءتنا من الجنة.

Une joie de vivre

في الليالي الصيفية، على سطوح كل المنازل لوحة فنية تغري الجميع ،هدوء وسكون تام إلا من بعض الأصوات ،منها المطربة و منها المزعجة ،لبعض المخلوقات الطيبة التي تتقاسم معنا هذا البلد : ضفادع ،بعوض ،جنادب « تبزبسين » « les grillions » . ظلام مترامي الأطراف، كيف لظلام ألا يصنع الجمال في حضرة قمر منير و سماء صافية تؤثثها نجوم وهاجة بكثافتها غير المعتادة وغير المرئية في أماكن أخرى؟ لدرجة قال أحد الظرفاء :«في سماء فكيك توجد النجوم بكثافة أكثر من أي سماء في مكان آخر من هذا العالم».
هل لبساطة الناس ،عفويتهم وتلقائيتهم ،طيبوبتهم و تسامحهم ؟ لا تصنع ،لا استعراض لعضلات المال، أو السلطة أو العلم أو الجسد، لا لباس فاخر، لا بحث عن تميز ما.هناك في الواحة حتى المكان في طبيعته وطبعه غير مجبول و مؤسس لأن يستوعب ويظهر أكثر مما هو أساسي من حياة الإنسان و ضروري لحياته.
في فكيك نعيش لحظات و نحن سواسية كأسنان المشط ،لا فرق بين غني وفقير، بين عاطل و مشتغل، بين دكتور و شيفور (سائق) ،بين أستاذ جامعي و طلبته ،بين مهندس و فلاح ،بين القادم من نيويورك و القادم من الماروك (المغرب)،بين عاقل و معتوه وحكيم.
في فكيك الفضاء العام غير قابل وغير مؤهل لعرض وتأثيث وبالتالي استيعاب بعض مظاهر البؤس الاجتماعي التي نحياها بشكل مكثف ويومي في المدن وحتى القرى والدواوير،لا مكان هناك للمتشردين أو الشحاذين والمتسولين ،لا مكان هناك للنشالين ، فضيق وقلة ذات اليد لا يعني بالضرورة أن تمد للآخرين ، ليس هناك مساحة لبائعي السجائر المتجولين ، ولا مجال لماسحي الأحذية ، فتراب وغبار الواحة أنظف من الكريمات والملمعات المصطنعة ،والشمس والرمال أحسن وأمهر ملمع ،أو ربما الأصابع لا تشير والعيون لا تمتد ولا تصوب نحو الأرجل والأقدام من أجل تصنيف الناس وتقييمهم هناك.
أليس في الابتعاد عن صخب و ضجيج المدينة والتخلص من عنفها المادي واللغوي و الاستراحة من ضغط العمل و البحث عن القوت اليومي ما يمنحك مساحة من الزمن لتختلي بنفسك، تتصالح معها، تتحدث إليها و تستمع لها ؟ .
في فكيك أتحرر من صرامة الوقت و الارتباط بعقارب الساعة وأرقامها ،أتخلص من ثقل و رتابة متابعة و مراقبة أطفالي، أستقيل من وظيفة مقتصد ،معلم و شرطي الأسرة، أكف عن مراقبة نفسي، لغتي، هندامي، لباسي ،كل شيء في، أهجر أثاث فراش لم يصنع من أجلي وأفترش ما يشبه الأرض (تحلاس ،تشضفين،إجرتال) ،أبتعد كثيرا عن الجرائد، عن الكتب ، عن الهاتف ،عن المذياع ،عن التلفاز،عن الأنترنيت ،أتخاصم مع المرآة ، وأضع أو بتعبير أدق وأوضح ،توضع مسافة بيني و بين زوجتي، بل حتى أطفالي يتحررون من كونهم رهائن لي ، لأمهم ،للعمارة وللجدران الأربعة .
فكيك ،الواحة المحاصرة والممزقة الأطراف بفعل طاعون السياسة والمصلحة ،اللامكان يتحول إلى مكان والمحدود فيها يتحول إلى اللامحدود ،أو كما قال أحد حكماء الواحة عندما لاحظ هناك الأطفال يلعبون ويمرحون وهم في أمان و حرية تامة إذ خاطبهم قائلا :« لا عليكم يا أطفال لقد وجدتم كل الفسحة والرحابة في الأرض المحدودة التي تشكو الضيق».
أليس في الكف عن استعمال الإنسان كمجرد أداة لتأثيث فضاء يعرض فيه كأرقام صالحة للعد والتعداد و كآلات للإنتاج و إن أصيب بأعطاب ما يجعله يسترجع إنسانيته ويتصالح مع ذاته ؟.
في فكيك أحس بوجودي كإنسان لا كآلة إنتاج،كانتماء إلى علاقات اجتماعية ، إلى أسرة كبيرة ، إلى جماعة ، إلى طفولة ، إلى حلم أجهض ، إلى وهم تحقق، إلى ثقافة، إلى تقاليد و عادات ، إلى ذاكرة ونسيان و تاريخ ،لا مجرد فاصلة في نص بدون طعم ،أو رقم في عملية حسابية بدون حاصل.
في فكيك أشعر بكينونتي نخلة ضاربة بجذورها في عمق الأرض ،وبطول جدعها في رحابة السماء ،وبخضرة سعفها (ترضوين ) في بهجة الحياة، وبوفرة تمورها في حب الناس ، وبعمرها المديد في تخوم التاريخ ، صامدة لن تزحزحها أية ريح مهما عصفت وزمجرت،وليس مجرد ورقة صفراء في غصن شجرة تتساقط وتتهاوى على الأرض مع أي نسيم هب.
في فكيك أتحدث بلغتي،لغة الأم التي رضعتها ،و أول ما عرفت الله عرفته هناك وبهذه اللغة و تحدثت إليه بها، طلبته و رجوته بها ،وكان يستجيب لي بها دون أن نحتاج أنا وهو إلى ترجمة أو مترجم أو تشويش من وسيط ، كما لم أستعن يوما ما بكتب الدعاء المستجاب أو المستحب أو ببصمات الفقهاء ، أو بمصفاتهم أو بتأشيراتهم، بل فقط البراءة والنية.
هل لأن في فكيك نستشعر الموت، نحسه و نعيشه أكثر من أي مكان آخر؟. (طبعا لسنا في حالة حرب ،والواحة ليست في منطقة زلازل أو براكن أو إعصارات أو فيضانات أو حرائق أو أمراض معدية وفتاكة ) – و نحن نعلم ما لسؤال الوجود والعدم « الموت » من علاقة بإله الكون – سكون تام ممزوج برتابة مفرطة، زمن يتمدد قد يوحي لك أو يشعرك ببدايات لانهائية لموت قد يأتي ولا يأتي ، حضور مكثف لقبور آبائنا و أجدادنا إلى جانبنا ،مع الرتابة والقرب والقرابة ،وفاة شخص ما ،يشكل لك خبرا مهما، لمعرفتك بالشخص المغادر للسفينة أو لأحد أقربائه ، حضورك مراسيم الحفر، أو النقل ،أو الدفن ،أو العزاء،أو الوليمة (الصدقة) ،بث المقاهي لآيات من « الذكر الحكيم » كإعلان عن خبر الوفاة ومشاركة في لحظات الحزن والأسى. الإشعار الجماعي بوفاة أحد أفراد أهالي الواحة القاطنين خارجها وإقامة مراسيم العزاء والحداد له في بيت أحد أقربائه أو أهله بالواحة. – الوفاة في باريس والدفن والعزاء والصدقة في فكيك -.
في حياتي البسيطة ،عشت وأعيش بلا تخطيط وبتلقائية دون عناد مع الزمن ،مع حاضر مضى قبل أن يحضر،دون عناء التفكير في مستقبل وما سيحمل إلي من مفاجآت ،من مسرات و مآسي. لكن لا أدري لماذا أوصيت رفيقة حياتي ،إن غادرت سفينة الحياة قبلها أن تعمل على نقل جثماني إلى هذه الواحة لكي أدفن هناك في مقبرة « بوخود  » ؟ ربما في قرارة نفسي « لم أولد غريب حتى أدفن غريب ». هل أنا « أصولي » ؟هل تسكنني مقولة » الرجوع إلى الأصل أصل » وهكذا أولتها و فهمت معناها ؟ هل لأنني أخذت من تلك الأرض و إليها سأعود ومنها سأبعث ؟ أو ربما الطريق إلى الله هناك قصيرة وسريعة وغير ملتوية ؟ أم لكوني سأشعر هناك براحة تامة وطمأنينة شاملة وأنا بين أهلي وبعض من أصحابي ؟ . « بوخود » المقبرة النموذجية ،أتكن قد سحرتني بشساعة فضائها وأغرتني بحسن ضيافتها وخدماتها المجانية التي توفرها لنزلائها الأبديين ؟ بقعة أرض لوحدك جنب أهلك، أصدقائك و إخوتك ،الغسل ،الحفر، النقل ،الدفن، قراءة القرآن وتلاوة الدعاء بشكل جماعي دون مقابل مادي، لا حاجة هناك لخدمات كتيبة من المحترفين والمختصين المؤجرين كما هو الشأن في جل المقابر خارج الواحة ،هناك كل الأهالي متطوعون ،متمرسون ،متمرنون ومتمكنون .الموت في فكيك لا تحتاج إلى رصيد بنكي أو ذخيرة مالية في جعبتك، يكفي فقط أن تعلن عن موتك حتى يتكفل الأهالي بكل شيء والكل يصاحبك إلى مثواك الأخير، حتى النخلة بسعفها الأخضر(ترضوين) – فهي رفيقتنا في الواحة من المهد إلى اللحد- . »بوخود » مقبرة طبيعية Bio ، تراب نقي ممزوج بماء طاهر من عين « تزادرت » أو بئر، وحجر نظيف على شكل ألواح من جبال الواحة ،لا مكان هناك لما هو غير طبيعي ،لا إسمنت، لا زفت ،لا رخام ،لا تلوث ،لا أزبال ،لا حفر للمشعوذين ،لا تبول و لا تسكع المهمشين والمقصيين ،لا حراسة نهارية أو حتى ليلية .وهل هناك من طهارة أطهر من هذه ؟ وهل هناك من أمن وآمان أأمن وأفضل من هذا ؟ لا تميز لا طبقية الكل سواسية بمقابرهم وفيها، لا ضجيج لا صداع، الاحترام كل الاحترام، والكل نائم في راحة تامة.هناك في « بوخود » سأرقد براحة و سلام . و ما لجسد من راحة بعد خروج الروح و التحول إلى جثة ،ثم بعد ذلك التحلل في التراب؟. لكن هناك سأطمئن على سلامة جسدي وحرمته وسأضمن له مستقبلا و استقرارا وسيجد كل الوقت الكافي ليتحلل في تربة أصيلة وطاهرة ، وهكذا سيعود إلى أصله وفصله ، فلا أحد سيأتي ليزعجني وينبش في قبري ويخاطبني :«قم أفرغ المكان وغادره فورا، لقد انتهت صلاحية موتك، لقد ملأتم الأرض بجثثكم أيها الموتى وضيقتم علينا نحن الأحياء ،خذوا رفاتكم وعظامكم و ارحلوا عنا ،ولتكن لكم وجهة ومكان غير هذه الأرض، فالزمان لم يعد زمانكم والمكان لم يعد مكانكم ،ولم يعد صالحا للموتى ،فهو مبرمج لبناء عمارة تتناطح مع السحب أو مصنع لإبادة ما تبقى من إنسانية الانسان». و يا له من سلام و مستقبل واستقرار بعد الموت في عالم تسكنه اضطرابات مسترسلة وحروب لا متناهية تخاض نيابة أو باسم آلهة متعددة !.
هل لكثافة حضور قبور و مقامات الأولياء التي تسكن قلب و كل أركان و هوامش الواحة ؟. وما للأولياء من رمزية وعلاقة بما هو روحي! وأنا المتسائل باستمرار عن سر ومعنى هذا الحضور القوي والكثيف؟ هل زمنهم تمدد وامتد إلى زمننا ؟ ألا أحمل الآن نفس الإحساس والشعور الذي كان يسكنهم في زمنهم دون أن يعني ذلك أنني من طينتهم وأنتمي إلى عالمهم ؟ قد أجازف وأقول أين وجدت أولياء الله فاعلم أن الله هناك قريب والشيطان بعيد .
هل لأن الشيطان قليل الحضور والتواجد في هذه الواحة و بالتالي المسافة بيني و بينه عريضة مما يمنحني مساحة من الزمن للتفرغ لنفسي ومساءلتها بعيدا عن قلق فكري طافح وفائض وفزع لا متناهي؟.
هل لأن في فكيك المكان والزمان يأخذان معاني ووظائف وأبعادا غير التي تعودنا عليها و ألفناها في الأماكن الأخرى و بالتالي هذا ما يجعلني أهيم وأسبح في البعد الروحي ؟.
هل لكوني تقدمت في السن، ولم أعد أنتمي إلى نادي الشباب، وأصبحت من قدماء هذه الأرض ومن كهولها، وصرت أميل أكثر إلى الهدوء والسكون والسلم وإلى كل ما هو بسيط، طبيعي ومسالم بعيدا عن صخب وضجيج، حركية وتلوث، فتن ومعارك المدينة ؟ .
هل كل تلك العناصر المذكورة سلفا متداخلة ومتفاعلة فيما بينها ؟.
أو ربما لا هذه ولا تلك، فقط التشبث والتقيد بسماع آذان الصلاة كمقياس لضبط المواعيد بعيدا عن عقارب الساعة و ضغوطاتها، فما أجمل وأعظم أن يكون موعد عملك أو سفرك أو أكلك أو نومك أو استيقاظك أو أنشطتك مقرونا بسماعك ذكر اسم إله الكون وتذكيرك به : ما بعد آذان صلاة الفجر كموعد للسفر، ما بعد آذان صلاة الظهر كموعد لتناول وجبة الغداء، ما بعد آذان صلاة العصر كموعد للالتقاء مع الأصدقاء بمقاهي » تاشرافت » ، ما بعد آذان صلاة المغرب كموعد للوليمة (الصدقة) ،ما بعد آذان صلاة العشاء كموعد لتناول وجبة العشاء ،وبعد ذلك النوم أو اللقاء بالأصدقاء قصد السمر والسهر.
هذا التقسيم القديم /الجديد والمنفرد للزمن الذي يستحضر ما بعد آذان الصلوات كأوقات محددة للمواعيد على الأقل أربع مرات في اليوم. »الله أكبر » أربع مرات في كل آذان للصلاة مما يجعلك تسمع هذه العبارة بصوت مرتفع على الأقل ست عشرة مرة في اليوم إن لم يكن اثنتين وثلاثين أو ثمان وأربعين أو ما يزيد عن ذلك حسب موقع تواجدك في لحظات الآذان،فالمآذن متعددة ومتقاربة فيما بينها، فبين مئذنة و مئذنة توجد مئذنة . « حي على الفلاح  » أليس في هذا النداء الذي ينادي به و إليه كل مؤذن مرتين في كل آذان للصلاة ما يغري و يشد إلى التقرب أكثر من وإلى إله الكون؟.
نعم في ديننا الله موجود في كل مكان و كل زمان، و دائم الحضور إلى جانبنا، وهو القريب منا وإلينا من حبل الوريد،أو كما تردد أمي دائما :« بيننا وبينه فقط حجاب كالذي يفصل التمر عن النوى»، وهو الذي يقول لنا دون ملل أو انقطاع :«أدعوني أستجب لكم أينما كنتم ،أينما حللتم ورحلتم». لكن هناك في فكيك أحس أنه أقرب مني وإلي أكثر من قربه مني وإلي في أي مكان آخر و في أي زمن آخر غير زمن فكيك.
هناك في فكيك تجد نفسك وتجتمع إليها بعد أن تكن بحثت عنها في كل مكان دون جدوى.
هناك في فكيك منسوب الفتنة يدنو ويقترب من درجة الصفر.
هناك في فكيك يتم العبور والانتقال من حالة كلب إلى حالة قط.
هناك في فكيك ترسو وتخبو النفس المتوترة وتطفو وتبدو النفس المطمئنة .
هناك في فكيك حقل مغناطيسي وجاذبية، للطبيعي، للفطري وللروحي. وفي مقامك هناك تقترب وترتشف منهم.
لن أقول كلما أحل بفكيك يزداد إيماني أو شكي. لن أقول بنظرية أو بفعل الحلول كما هو الشأن عند بعض المتصوفة، أو عند بعض الديانات الشرقية.لكن أقول هو شعور وإحساس.وهل من سر و معنى لهذا الشعور ولهذا الإحساس ؟ .

 

Le joujou des petits Figuiguiens

Benamara Omar –  Meknès

Figuignews.com 2017

 

 

 

Actuellement il y a "11 commentaires" sur cet article:

  1. كاسم dit :


    مقال جد مهم ، يعبر عن الذات و ما يشعر به الزائر لواحة فكيك… أم ما خطر ببالي مباشرة بعد قراته هو توقيع هذا المقال بوضع اسمي جوار كاتبه.

  2. محمد dit :


    شكرًا على هذا المقال الرائع. أشاطرك نفس الإحساس بكل تفاصيله . أتمنى الإزدهار و الرخاء لواحتنا الجميلة.

  3. kka dit :

    salut .

    merci Omar tu as dis tout ,
    tu as parler a ma place.
    un jolie texte ,un bon morceau.
    je met ma signature.

  4. Mustapha dit :

    Thanks a lot for the article ,it’s so touching.I do share the same feelings really.Figuig has a specific overwhelming spiritual effect on its visitors.

  5. brahim dit :


    هذا المقال معبر عن مشاعر واحاسيس اي منتمي الى واحة فكيك والذي يقطن خارج الواحة جميل جدا وشامل

  6. figuigui dit :

    le texte est très intéressant , sentimental ,spirituel avec un début de sophisme et questions du divin merci à l’équipe de figuignews

  7. HAMMOU dit :

    la nostsalgie du bon vieux temps
    le pressentiment qu’on a perdu pas mal de valeurs
    la vie citadine nous a ronfé
    et pourtant cet écrit mérite une grande méditation
    bravo cher auteur

  8. oufeyyey dit :


    المقال يبدو عبارة عن نوستالجيا وافصاح عمى يختلج بداخل صاحب المقال من احاسيس ومشاعر وايضا استرجاع لماض جميل فيه من البراءة الكثير والصفاء ربما تكن نفس الاحاسيس يتقاسمها عدد من الناس معه شكرا لكم جميعا

  9. mohmoh dit :


    في فكيك أتحرر من صرامة الوقت و الارتباط بعقارب الساعة وأرقامها ،أتخلص من ثقل و رتابة متابعة و مراقبة أطفالي، أستقيل من وظيفة مقتصد ،معلم و شرطي الأسرة، أكف عن مراقبة نفسي، لغتي، هندامي، لباسي ،كل شيء في، أهجر أثاث فراش لم يصنع من أجلي وأفترش ما يشبه الأرض (تحلاس ،تشضفين،إجرتال) ،أبتعد كثيرا عن الجرائد، عن الكتب ، عن الهاتف ،عن المذياع ،عن التلفاز،عن الأنترنيت ،أتخاصم مع المرآة ، وأضع أو بتعبير أدق وأوضح ،توضع مسافة بيني و بين زوجتي، بل حتى أطفالي يتحررون من كونهم رهائن لي ، لأمهم ،للعمارة وللجدران الأربعة .
    اعجبني هذا المقال خصوصا هذا المقطع اجده يعبر عن حالتي ووضعي الخاص

  10. hidasaksou dit :

    un bon texte sentimentale il reflet l’état de chaque citoyen et les relations et les sentiments qu’il peut porté a ça ville natale .j’ai assez d’idées a compléter à ce texte je vais faire le mieux pour le présenter dans le plus bref délais. merci pour votre effort .

  11. fafi dit :

    je tien d’abord à remercier h’équipe de ce journal et j’ajoute; pour le texte que j’ai entre mes mains c’est de la nostalgie et de monologue à haute voix et je peu même dire un dialogue avec un lieux qu on porte dans nos cœur et qui reflète des sentiments humaines ainsi que la perte d’identité dans le désert de modernisme qui nous mène dans un vide et dans l’inconnus et manque de l’humanisme et vie sociale et amour . alors le brouillard avance et absorbe tous . merci une autre fois à vous

Recherche sur ce site:

Categories

Calendrier

juin 2017
L M M J V S D
« Mai    
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

Archives

COMMENTER CET ARTICLE:





Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.